|
الشيخ محمد متولي
الشعراوي
"رحمه الله"
مولده
وتعليمه
ولد
فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في 5 أبريل عام 1911 م بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية وحفظ القرآن الكريم
في الحادية عشرة من عمره.
في
عام 1926 م
التحق الشيخ الشعراوي بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وأظهر
نبوغاً منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحكم، ثم حصل على
الشهادة الابتدائية الأزهرية سنة 1923م، ودخل المعهد الثانوي، وزاد اهتمامه بالشعر والأدب، و حظى بمكانة خاصة بين
زملائه، فاختاروه رئيسًا لاتحاد
الطلبة، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق، وكان معه في ذلك الوقت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجى، والشاعر طاهر أبو
فاشا، والأستاذ خالد محمد خالد
والدكتور أحمد هيكل والدكتور حسن جاد، وكانوا يعرضون عليه ما يكتبون.
وكانت
نقطة تحول في حياة الشيخ الشعراوي، عندما أراد له والده إلحاقه بالأزهر الشريف بالقاهرة، وكان الشيخ الشعراوي يود أن
يبقى مع إخوته لزراعة الأرض،
ولكن إصرار الوالد دفعه لاصطحابه إلى القاهرة، ودفع المصروفات وتجهيز
المكان للسكن.
فما
كان من الشيخ إلا أن اشترط على والده أن يشتري له كميات من أمهات الكتب في التراث واللغة وعلوم القرآن والتفاسير وكتب
الحديث النبوي الشريف، كنوع من
التعجيز حتى يرضى والده بعودته إلى القرية.
لكن
والده فطن إلى تلك الحيلة، واشترى له كل ما طلب قائلاً له: أنا أعلم يا بني أن جميع هذه الكتب ليست مقررة عليك، ولكني
آثرت شراءها لتزويدك بها كي تنهل من العلم.
فما
كان أمام الشيخ إلا أن يطيع والده، ويتحدى رغبته في العودة إلى القرية، فأخذ
يغترف من العلم، ويلتهم منه كل ما تقع عليه عيناه.
والتحق
الشعراوي بكلية اللغة العربية سنة 1937م، وانشغل بالحركة الوطنية والحركة
الأزهرية، فثورة سنة 1919م اندلعت من الأزهر الشريف، ومن الأزهر خرجت
المنشورات التي تعبر عن سخط المصريين ضد الإنجليز المحتلين. ولم يكن معهد
الزقازيق بعيدًا عن قلعة الأزهر الشامخة في القاهرة، فكان الشيخ يزحف هو
وزملائه إلى ساحات الأزهر وأروقته، ويلقى بالخطب مما عرضه للاعتقال أكثر من
مرة، وكان وقتها رئيسًا لاتحاد الطلبة سنة 1934م.
التدرج
الوظيفي
تخرج
الشيخ عام 1940 م، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام 1943م.
بعد
تخرجه عين الشعراوي في المعهد الديني بطنطا، ثم انتقل بعد ذلك إلى المعهد الديني بالزقازيق ثم المعهد الديني بالإسكندرية
وبعد فترة خبرة طويلة انتقل الشيخ
الشعراوي إلى العمل في السعودية عام 1950 ليعمل أستاذًا للشريعة بجامعة أم
القرى.
ولقد
اضطر الشيخ الشعراوي أن يدرِّس مادة العقائد رغم تخصصه أصلاً في اللغة وهذا في حد ذاته يشكل صعوبة كبيرة إلا أن الشيخ
الشعراوي استطاع أن يثبت تفوقه في
تدريس هذه المادة لدرجة كبيرة لاقت استحسان وتقدير الجميع. وفي عام 1963 حدث
الخلاف بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين الملك سعود. وعلى أثر ذلك منع
الرئيس عبد الناصر الشيخ الشعراوي من العودة ثانية إلى السعودية وعين في
القاهرة مديرًا لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون. ثم سافر
بعد ذلك الشيخ الشعراوي إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الأزهر هناك ومكث
بالجزائر حوالي سبع سنوات قضاها في التدريس وأثناء وجوده في الجزائر حدثت نكسة يونيو 1967، وقد تألم الشيخ الشعراوي
كثيرًا لأقسى الهزائم العسكرية
التي منيت بها مصر والأمة العربية وحين عاد الشيخ الشعراوي إلى
القاهرة وعين مديرًا لأوقاف محافظة الغربية فترة، ثم وكيلا للدعوة والفكر، ثم
وكيلاً للأزهر ثم عاد ثانية إلى المملكة العربية السعودية، حيث قام
بالتدريس في جامعة الملك عبد العزيز.
وفي
نوفمبر 1976م اختار السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء آنذاك أعضاء وزارته، وأسند إلى الشيخ الشعراوي وزارة الأوقاف وشئون
الأزهر. فظل الشعراوي في الوزارة حتى أكتوبر عام 1978م.
وبعد
أن ترك بصمة طيبة على جبين الحياة الاقتصادية في مصر، فهو أول من أصدر قرارًا وزاريًا بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر وهو (بنك
فيصل) حيث إن هذا من اختصاصات
وزير الاقتصاد أو المالية (د. حامد السايح في هذه الفترة)، الذي
فوضه، ووافقه مجلس الشعب على ذلك.
وقال
في ذلك: إنني راعيت وجه الله فيه ولم أجعل في بالي أحدًا لأنني علمت بحكم تجاربي في الحياة أن أي موضوع يفشل فيه الإنسان
أو تفشل فيه الجماعة هو الموضوع الذي يدخل هوى
الشخص أو أهواء الجماعات فيه. أما إذا كانوا جميعًا
صادرين عن هوى الحق وعن مراده، فلا يمكن أبدًا أن يهزموا، وحين تدخل أهواء
الناس أو الأشخاص، على غير مراد الله، تتخلى يد الله.
وفي
سنة 1987م اختير فضيلته عضواً بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين). وقرَّظه
زملاؤه بما يليق به من كلمات، وجاء انضمامه بعد حصوله على أغلبية
الأصوات (40عضوًا). وقال يومها: ما أسعدني بهذا اللقاء، الذي فرحت به فرحًا على حلقات: فرحت به ترشيحًا لي، وفرحت به
ترجيحًا لي، وفرحت به استقبالاً لي،
لأنه تكريم نشأ عن إلحاق لا عن لحوق، والإلحاق استدعاء، أدعو الله بدعاء
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أستعيذك من كل عمل أردت به وجهك
مخالطاً فيه غيرك. فحين رشحت من هذا المجمع آمنت بعد ذلك أننا في خير دائم،
وأننا لن نخلو من الخير ما دام فينا كتاب الله، سألني البعض: هل قبلت
الانضمام إلى مجمع الخالدين، وهل كتب الخلود لأحد؟ وكان ردي: إن الخلود
نسبي، وهذا المجمع مكلف بالعربية، واللغة العربية للقرآن، فالمجمع للقرآن،
وسيخلد المجمع بخلود القرآن.
أسرة
الشعراوي
تزوج
الشيخ الشعراوي وهو في الابتدائية بناء على رغبة والده الذي اختار له زوجته، ووافق الشيخ على اختياره، وكان اختيارًا
طيبًا لم يتعبه في حياته، وأنجب
الشعراوي ثلاثة أولاد وبنتين، الأولاد: سامي وعبد الرحيم وأحمد، والبنتان
فاطمة وصالحة. وكان الشيخ يرى أن أول عوامل نجاح الزواج هو الاختيار
والقبول من الطرفين. وعن تربية أولاده يقول: أهم شيء في التربية هو
القدوة، فإن وجدت القدوة الصالحة سيأخذها الطفل تقليدًا، وأي حركة عن سلوك سيئ يمكن أن تهدم الكثير.
فالطفل
يجب أن يرى جيدًا، وهناك فرق بين أن يتعلم الطفل وأن تربي فيه مقومات الحياة، فالطفل إذا ما تحركت ملكاته وتهيأت
للاستقبال والوعي بما حوله، أي إذا ما
تهيأت أذنه للسمع، وعيناه للرؤية، وأنفه للشم، وأنامله للمس، فيجب أن
نراعي كل ملكاته بسلوكنا المؤدب معه وأمامه، فنصون أذنه عن كل لفظ قبيح،
ونصون عينه عن كل مشهد قبيح.
وإذا
أردنا أن نربي أولادنا تربية إسلامية، فإن علينا أن نطبق تعاليم الإسلام في أداء الواجبات، وإتقان العمل، وأن نذهب للصلاة
في مواقيتها، وحين نبدأ الأكل
نبدأ باسم الله، وحين ننتهي منه نقول: الحمد لله.. فإذا رآنا الطفل ونحن
نفعل ذلك فسوف يفعله هو الآخر حتى وإن لم نتحدث إليه في هذه الأمور،
فالفعل أهم من الكلام.
الجوائز
التي حصل عليها
منح
الإمام الشعراوي وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى لمناسبة بلوغه سن التقاعد في 15/4/1976 م قبل تعيينه وزيرًا للأوقاف
وشئون الأزهر.
ومنح
وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1983م وعام 1988م، ووسام في يوم الدعاة.
حصل
على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية.
اختارته
رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية،
الذي تنظمه الرابطة، وعهدت إليه بترشيح من يراهم
من المحكمين في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية،
لتقويم الأبحاث الواردة إلى المؤتمر.
أعدت
حوله عدة رسائل جامعية منها رسالة ماجستير عنه بجامعة المنيا ـ كلية التربية ـ قسم أصول التربية، وقد تناولت الرسالة
الاستفادة من الآراء التربوية لفضيلة
الشيخ الشعراوي في تطوير أساليب التربية المعاصرة في مصر.
جعلته
محافظة الدقهلية شخصية المهرجان الثقافي لعام 1989م والذي تعقده كل عام لتكريم أحد أبنائها البارزين، وأعلنت المحافظة عن
مسابقة لنيل جوائز تقديرية وتشجيعية، عن حياته
وأعماله ودوره في الدعوة الإسلامية محليًا، ودوليًا،
ورصدت لها جوائز مالية ضخمة.
الشاعر
عشق
الشيخ الشعراوي ـ رحمه الله ـ اللغة العربية، وعرف ببلاغة كلماته مع بساطة في الأسلوب، وجمال في التعبير، ولقد كان للشيخ
باع طويل مع الشعر، فكان شاعرا يجيد التعبير
بالشعر في المواقف المختلفة، وخاصة في التعبير عن آمال
الأمة أيام شبابه، عندما كان يشارك في العمل الوطني بالكلمات القوية
المعبرة، وكان الشيخ يستخدم الشعر أيضاً في تفسير القرآن الكريم، وتوضيح
معاني الآيات، وعندما يتذكر الشيخ الشعر كان يقول "عرفوني شاعراً"
وعن
منهجه في الشعر يقول: حرصت على أن أتجه في قصائدي إلى المعنى المباشر من أقصر طريق.. بغير أن أحوم حوله طويلا.. لأن
هذا يكون الأقرب في الوصول إلى أعماق
القلوب. خاصة إذا ما عبرت الكلمات بسيطة وواضحة في غير نقص. وربما هذا مع
مخاطبتي للعقل هو ما يغلب على أحاديثي الآن للناس.
يقول
في قصيدة بعنوان "موكب النور":
أريحي
السمــاح والإيثـار*****لك إرث يا طيبة الأنـوار
وجلال
الجمال فيـك عريق*****لا حرمنا ما فيه من أسـرار
تجتلي
عندك البصائر معنى*****فوق طوق العيون والأبصار
الشعر
ومعاني الآيات
ويتحدث
إمام الدعاة فضيلة الشيخ الشعراوي في مذكراته التي نشرتها صحيفة الأهرام عن
تسابق أعضاء جمعية الأدباء في تحويل معاني الآيات القرآنية إلى
قصائد شعر. كان من بينها ما أعجب بها رفقاء الشيخ الشعراوي أشد الإعجاب إلى
حد طبعها على نفقتهم وتوزيعها. يقول إمام الدعاة ومن أبيات الشعر التي
اعتز بها، ما قلته في تلك الآونة في معنى الرزق ورؤية الناس له. فقد قلت:
تحرى
إلى الرزق أسبابه
فإنـك
تجـهل عنـوانه
ورزقـك
يعرف عنوانك
وعندما
سمع سيدنا الشيخ الذي كان يدرس لنا التفسير هذه الأبيات قال لي: يا ولد هذه لها قصة عندنا في الأدب. فسألته: ما هي
القصة: فقال: قصة شخص اسمه عروة بن
أذينة.. وكان شاعرا بالمدينة وضاقت به الحال، فتذكر صداقته مع هشام بن
عبد الملك.. أيام أن كان أمير المدينة قبل أن يصبح الخليفة. فذهب إلى
الشام ليعرض تأزم حالته عليه لعله يجد فرجا لكربه. ولما وصل إليه استأذن
على هشام ودخل. فسأله هشام كيف حالك يا عروة؟. فرد: والله إن الحال قد ضاقت
بي.. فقال لي هشام: ألست أنت القائل:
لقد
علمت وما الإشراق من خلقي***إن الذي هـو رزقي سوف يأتيني
واستطرد
هشام متسائلا: فما الذي جعلك تأتي إلى الشام وتطلب مني.. فأحرج عروة الذي
قال لهشام: جزاك الله عني خيرا يا أمير المؤمنين.. لقد ذكرت مني ناسيا،
ونبهت مني غافلا.. ثم خرج..
وبعدها
غضب هشام من نفسه لأنه رد عروة مكسور الخاطر.. وطلب القائم على خزائن بيت المال وأعد لعروة هدية كبيرة وحملوها على
الجمال.. وقام بها حراس ليلحقوا
بعروة في الطريق.. وكلما وصلوا إلى مرحلة يقال لهم: كان هنا ومضى. وتكرر ذلك مع كل المراحل إلى أن وصل الحراس إلى
المدينة.. فطرق قائد الركب الباب وفتح
له عروة.. وقال له: أنا رسول أمير المؤمنين هشام.. فرد عروة: وماذا أفعل
لرسول أمير المؤمنين وقد ردني وفعل بي ما قد عرفتم ؟..
فقال
قائد الحراس: تمهل يا أخي.. إن أمير المؤمنين أراد أن يتحفك بهدايا ثمينة وخاف أن تخرج وحدك بها.. فتطاردك اللصوص،
فتركك تعود إلى المدينة وأرسل
إليك الهدايا معنا.. ورد عروة: سوف أقبلها ولكن قل لأمير المؤمنين لقد قلت
بيتا ونسيت الآخر.. فسأله قائد الحراس:
ما
هو ؟.. فقال عروة:
أسعى
له فيعييني تطلبه*** ولو قعدت أتاني يعينني
وهذا
يدلك ـ فيما يضيفه إمام الدعاة ـ على حرص أساتذتنا على أن ينمو في كل إنسان
موهبته، ويمدوه بوقود التفوق.
مواقف
وطنية
ويروي
إمام الدعاة الشيخ الشعراوي في مذكراته وقائع متفرقة الرابط بينها أبيات من الشعر طلبت منه وقالها في مناسبات متنوعة..
وخرج من كل مناسبة كما هي عادته بدرس مستفاد
ومنها مواقف وطنية.
يقول
الشيخ: و أتذكر حكاية كوبري عباس الذي فتح على الطلاب من عنصري الأمة وألقوا بأنفسهم في مياه النيل شاهد الوطنية الخالد
لأبناء مصر. فقد حدث أن أرادت
الجامعة إقامة حفل تأبين لشهداء الحادث ولكن الحكومة رفضت.. فاتفق إبراهيم نور
الدين رئيس لجنة الوفد بالزقازيق مع محمود ثابت رئيس الجامعة المصرية
على أن تقام حفلة التأبين في أية مدينة بالأقاليم. ولا يهم أن تقام
بالقاهرة.. ولكن لأن الحكومة كان واضحا إصرارها على الرفض لأي حفل تأبين فكان لابد من التحايل على الموقف.. وكان بطل
هذا التحايل عضو لجنة الوفد
بالزقازيق حمدي المرغاوي الذي ادعى وفاة جدته وأخذت النساء تبكي وتصرخ.. وفي
المساء أقام سرادقا للعزاء وتجمع فيه المئات وظنت الحكومة لأول وهلة
أنه حقا عزاء.. ولكن بعد توافد الأعداد الكبيرة بعد ذلك فطنت لحقيقة الأمر..
بعد أن أفلت زمام الموقف وكان أي تصد للجماهير يعني الاصطدام بها.. فتركت
الحكومة اللعبة تمر على ضيق منها.. ولكنها تدخلت في عدد الكلمات التي
تلقى لكيلا تزيد للشخص الواحد على خمس دقائق.. وفي كلمتي بصفتي رئيس اتحاد
الطلبة قلت: شباب مات لتحيا أمته وقبر لتنشر رايته وقدم روحه للحتف
والمكان قربانا لحريته ونهر الاستقلال.. ولأول مرة يصفق الجمهور في حفل
تأبين. وتنازل لي أصحاب الكلمة من بعدي عن المدد المخصصة لهم.. لكي ألقى
قصيدتي التي أعددتها لتأبين الشهداء البررة والتي قلت في مطلعها:
نــداء
يابني وطني نــداء*****دم الشهداء يذكره الشبــاب
وهل
نسلوا الضحايا والضحايا*****بهم قد عز في مصر المصاب
شبـــاب
برَّ لم يفْرِق.. وأدى*****رسالته، وها هي ذي تجاب
فلـم
يجبن ولم يبخل وأرغى*****وأزبد لا تزعزعـــه الحراب
وقــــدم
روحه للحق مهرًا*****ومن دمه المراق بدا الخضاب
وآثر
أن يمــــوت شهيد مصر*****لتحيا مصر مركزها مهاب
الشيخ
الشعراوي فى السجن
تمتع
الشيخ الشعراوي بطبيعة ثائرة في صباه ورغبة في الصياح في وجه الفساد ، وعندما كان في معهد الزقازيق رأس اتحاد الطلاب
ولم تفجرت ثورة الأزهر التي طالبت
بإعادة الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر 1934م خرج الشعراوي وأنشد
بعض الأبيات التي اعتبرت عيبا في الذات الملكية فقبض عليه وهنا نروى على
لسانه .. قال : (إنني كنت الوحيد الذي ظل طليقا لفترة طويلة فقد كان رجال الحكومة يأتون للقبض على ولكنهم كانوا
يخطئونني ويقبضون على أناس غيري فاضطروا
إلى القبض على أبي وأخي فسلمت نفسي إليهم وأخذوني إلى مأمور الزقازيق
الذي اصطحبني إلى وكيل النيابة فقلت له أني لن أتكلم حتى يخرج المأمور ثم
قلت :الحقيقة إنها مصيبة أمة التي يعمل فيها بوليس جاهل ،يسوي
بيننا وبين اللصوص .وكان القاضي فيه وطنية تحكمه وكان يمد حبسنا كل أربعة أيام حتى حكم علينا بسجن شهر وكنا قد قضينا شهرا في
السجن وبذلك أفرج عنا حتى جاءت حكومة مصطفى النحاس).
الوفاة
توفى
رحمة الله عليه فى 17 من يونيو 1998عن سبع و ثمانين عاما و شهرين و ستة عشر يوما
و دفن في قريتة دقادوس.
قالوا
عن الشيخ الشعراوي
فقد
العلماء بالموت خسارة إنسانية كبرى، إن الناس يحسون عندئذ أن ضوءا مشعا قد خبا، وأن نورا يهديهم قد احتجب، ولقد كان هذا
شيئا قريبا من إحساسنا بموت
الشيخ محمد متولي الشعراوي يرحمه الله تبارك وتعالى.
كان
أول ظهور له على المستوى العام "في التليفزيون" هو ظهوره في برنامج "نور
على نور" للأستاذ أحمد فراج.
وكانت
الحلقة الأولى التي قدمها عن حلية رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
كانت
الحلقة تتحدث عن أخلاق الرسول وشمائله، ورغم أن هذا الموضوع قديم كتب فيه الكاتبون، وتحدث فيه المتحدثون، إلا أن الناس
أحسوا أنهما أمام فكر جديد وعرض
جديد ومذاق جديد.. لقد أحسوا أنهم يسمعون هذا الكلام لأول مرة.
ولعل
هذه كانت أول مزية للشيخ الشعراوي، إن القديم كان يبدو جديدا على لسانه، أيضا أشاعت هذه الحلقة إحساسا في الناس بأن الله
يفتح على الشيخ الشعراوي وهو
يتحدث، ويلهمه معاني جديدة وأفكارا جديدة.
بعد
هذا القبول العام انخرط الشيخ الشعراوي في محاولة لتفسير القرآن وأوقف حياته على هذه المهمة؛ ولأنه أستاذ للغة أساسا كان
اقترابه اللغوي من التفسير آية من
آيات الله، وبدا هذا التفسير للناس جديدا كل الجدة، رغم قدمه ورغم أن
تفسير القرآن قضية تعرض لها آلاف العلماء على امتداد القرون والدهور، إلا أن تفسير الشيخ الشعراوي بدا جديدا ومعاصرا
رغم قدمه، وكانت موهبته في الشرح
وبيان المعاني قادرة على نقل أعمق الأفكار بأبسط الكلمات.. وكانت
هذه موهبته الثانية.
وهكذا
تجمعت القلوب حول الرجل وأحاطته بسياج منيع من الحب والتقدير..
وزاد
عطاؤه وزاد إعجاب الناس به، ومثل أي شمعة تحترق من طرفيها لتضيء مضي الشيخ الشعراوي في مهمته حتى اختاره الله إلى جواره.. عزاء
لنا وللأمة الإسلامية.
"أحمد
بهجت"
إن
الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله كان واحدًا من أعظم الدعاة إلى الإسلام في العصر الذي نعيش فيه. والملكة غير العادية
التي جعلته يطلع جمهوره على أسرار
جديدة وكثيرة في القرآن الكريم.
وكان
ثمرة لثقافته البلاغية التي جعلته يدرك من أسرار الإعجاز البياني للقرآن الكريم ما لم يدركه الكثيرون وكان له حضور في
أسلوب الدعوة يشرك معه جمهوره ويوقظ
فيه ملكات التلقي. ولقد وصف هو هذا العطاء عندما قال: "إنه فضل جود لا
بذل جهد". رحمه الله وعوض أمتنا فيه خيرًا.
د."محمد
عمارة"
إن
الشيخ الشعراوي قد قدم لدينه ولأمته الإسلامية وللإنسانية كلها أعمالا طيبة تجعله قدوة لغيره في الدعوة إلى الله بالحكمة
والموعظة الحسنة.
د."محمد
سيد طنطاوي شيخ الأزهر"
فقدت
الأمة الإسلامية علما من أعلامها كان له أثر كبير في نشر الوعي الإسلامي الصحيح، وبصمات واضحة في تفسير القرآن الكريم
بأسلوب فريد جذب إليه الناس من
مختلف المستويات الثقافية.
د."محمود
حمدي زقزوق وزير الأوقاف"
إن
الشعراوي أحد أبرز علماء الأمة الذين جدد الله تعالى دينه على يديهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إن الله يبعث
لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة
من يجدد لها أمر دينها].
د."أحمد
عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر"
إن
الفقيد واحد من أفذاذ العلماء في الإسلام قد بذل كل جهد من أجل خدمة الأمة في
دينها وأخلاقها.
"الشيخ
أحمد كفتارو مفتي سوريا"
إن
الجمعية الشرعية تنعى إلى الأمة الإسلامية فقيد الدعوة والدعاة إمام الدعاة إلى الله تعالى، حيث انتقل إلى رحاب ربه آمنا
مطمئنا بعد أن أدى رسالته كاملة
وبعد أن وجه المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما يصلح شئون
حياتهم ويسعدهم في آخرتهم. فرحم الله شيخنا الشعراوي رحمة واسعة وجعله
في مصاف النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاه
الله عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء.
د."فؤاد
مخيمر رئيس عام الجمعية الشرعية"
الشيخ
الشعراوى كان أحد كبار مفسرى القرآن الكريم،الذين سيبقى أثرهم طويلاً فى خدمة
الدين الأسلامى .
د.يوسف
القرضاوي
لا
شك أن وفاة الإمام الراحل طيب الذكر فضيلة الشيخ الشعراوي تمثل خسارة فادحة للفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية والعالم
الإسلامي بأسره، فقد كان رحمه الله
رمزًا عظيمًا من رموز ذلك كله وخاصة في معرفته الشاملة للإسلام وعلمه
المتعمق وصفاء روحه وشفافية نفسه واعتباره قدوة تحتذى في مجال العلم والفكر
والدعوة الإسلامية وإن حزننا لا يعادله إلا الابتهال إلى الله بأن يطيب
ثراه وأن يجعل الجنة مثواه.
"د.
أحمد هيكل وزير الثقافة السابق"
لا
ينبغي أن نيأس من رحمة الله والإسلام الذي أفرز الشيخ الشعراوي قادر على أن يمنح هذه الأمة نماذج طيبة وعظيمة ورائعة
تقرب على الأقل من الشيخ الشعراوي
ومع ذلك نعتبر موته خسارة كبيرة، خسارة تضاف إلى خسائر الأعوام الماضية
أمثال أساتذتنا الغزالي وجاد الحق وخالد محمد خالد. وأخشى أن يكون هذا نذير
اقتراب يوم القيامة الذي أخبرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن من
علاماته أن يقبض العلماء الأكفاء الصالحون وأن يبقى الجهال وأنصاف العلماء
وأشباههم وأرباعهم فيفتوا بغير علم ويطوعوا دين الله وفقا لضغوط أولياء
الأمور ويصبح الدين منقادًا لا قائدًا.
ونسأل
الله أن يجنب الأمة شر هذا وأن يخلفها في الشيخ الشعراوي خيرًا.
"د.
عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ الإسلامي"
بعض
من مؤلفات الشيخ الشعراوي
للشيخ
الشعراوي عدد من المؤلفات، قام عدد من محبيه بجمعها وإعدادها للنشر، وأشهر هذه المؤلفات وأعظمها تفسير الشعراوي للقرآن
الكريم، ومن هذه المؤلفات:
الإسراء
والمعراج.
أسرار
بسم الله الرحمن الرحيم.
الإسلام
والفكر المعاصر.
الإسلام
والمرأة، عقيدة ومنهج.
الشورى
والتشريع في الإسلام.
الصلاة
وأركان الإسلام.
الطريق
إلى الله.
الفتاوى.
لبيك
اللهم لبيك.
100 سؤال
وجواب في الفقه الإسلامي.
المرأة
كما أرادها الله.
معجزة
القرآن.
من
فيض القرآن.
نظرات
في القرآن.
على
مائدة الفكر الإسلامي.
القضاء
والقدر.
هذا
هو الإسلام.
المنتخب
في تفسير القرآن الكريم
|
الشيخ حسنين مخلوف
كان
الشيخ محمد حسنين مخلوف واحدًا من كبار علماء الأزهر، نزح إلى القاهرة من بلدته "بني عدي" بصعيد مصر والتحق
بالأزهر، يحدوه الأمل في أن ينال ما ناله
أبناء بلدته الذين تعلموا بالأزهر، وتخرجوا فيه حاملين لواء إرشاد الناس وتوجيههم، مثل: الشيخ علي بن أحمد العدوي
الذي جاور بالأزهر، وتفقه على مذهب
المالكية، وجلس للتدريس بالأزهر، وكان قوي الشكيمة، يصدع بالحق، ويأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُذكر عنه أنه أول من ألّف الحواشي على شروح
كتب الفقه المالكي. ونبغ أيضًا من أبناء هذه البلدة الكريمة: أبو البركات
الدردير العالم الزاهد والفقيه النابه، وصاحب المؤلفات العظيمة
في الفقه والتوحيد والتصوف، والعالم اللغوي محمد قطة العدوي الذي قام
بجهد مشكور في إخراج أمهات كتب التراث التي كانت تطبعها مطبعة بولاق.
وفي
الأزهر سمت به همته إلى طلب العلم ومصاحبة العلماء وثابر على القراءة والتحصيل حتى استوى عالمًا يشار إليه، ومصلحًا
يُعهد إليه بجلائل الأعمال، فتولى
إنشاء المكتبة الأزهرية، وجمع لها الكتب المبعثرة في المساجد، وصنفها
وفهرسها، وكان أول مفتش للعلوم بالأزهر والمعاهد الدينية، وأصغر الأعضاء في
المجلس الأعلى للأزهر الذي يشرف على أعمال الأزهر ويتولى توجيهه ووضع
سياساته، واختير وكيلاً للجامع الأزهر.
المولد
والنشأة
في
هذا الجو الثقافي المعطر بأريج الدين ولد حسنين محمد حسنين مخلوف في حي باب الفتوح بالقاهرة في (16 من رمضان 1307هـ = 6 من
مايو 1890م)، وتعهده أبوه بالتربية
والتعليم، فما إن بلغ السادسة حتى دفع به إلى من يحفّظه القرآن
الكريم، وأتمه وهو في العاشرة على يد الشيخ محمد علي خلف الحسيني شيخ
المقارئ المصرية، وهيأه أبوه للالتحاق بالأزهر فحفّظه متون التجويد والقراءات
والنحو، ثم التحق بالأزهر وهو في الحادية عشرة من عمره، وتلقى العلم على
كبار شيوخ الأزهر، من أمثال الشيخ عبد الله دراز، ويوسف الدجوي، ومحمد
بخيت المطيعي، وعلي إدريس، والبيجرمي، فضلاً عن والده الشيخ محمد حسنين مخلوف. ولما فتحت مدرسة القضاء الشرعي أبوابها
لطلاب الأزهر، تقدم للالتحاق
بها، وكانت تصطفي النابغين من المتقدمين بعد امتحان عسير لا يجتازه إلا الأكفاء المتقنون.
وتخرج
بعد أربع سنوات حائزًا على عالمية مدرسة القضاء سنة (1332هـ
= 1914م)،
وبعد أن خاض امتحانًا قاسيًا أمام لجنة كان من بينها الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر، والشيخ بكري الصفدي مفتي الديار
المصرية. وكان الاختبار الشفوي
النهائي يحضره شيخ الأزهر مع أربعة من كبار العلماء، وقد يمتد إلى ست ساعات
للطالب الواحد، وقد تُرفع الجلسة بعد عناء لتستكمل عملها في الغد،
ومن ثم كان لا يجتاز هذا الاختبار إلا الأذكياء من الطلبة القادرين على
إقناع هذه اللجنة العظيمة بسعة تحصيلهم وغزارة علمهم في فنون مختلفة من العلم.
في
القضاء
وبعد
التخرج عمل الشيخ حسنين مخلوف بالتدريس في الأزهر لمدة عامين، ثم التحق بسلك القضاء قاضيًا شرعيًا في قنا سنة (1334هـ = 1916م)،
ثم تنقل بين عدة محاكم في "ديروط" و"القاهرة"
و"طنطا"، حتى عُيِّن رئيسًا لمحكمة الإسكندرية الكلية
الشرعية سنة (1360هـ = 1941م) ثم رُقِّي رئيسًا للتفتيش الشرعي بوزارة
العدل سنة (1360هـ = 1942م)، وفي أثناء توليه هذه الوظيفة المرموقة أسهم في
المشروعات الإصلاحية، مثل إصلاح قانون المحاكم الشرعية، وقانون المجالس
الحسبية، ثم عُيِّن نائبًا لرئيس المحكمة العليا الشرعية سنة (1363هـ = 1944م)،
حتى تولَّى منصب الإفتاء في (3 من ربيع الأول 1365هـ = 5 من يناير 1946م)،
وظل في المنصب حتى (20 من رجب 1369هـ = 7 من مايو 1950م) عندما
بلغ انتهاء مدة خدمته القانونية، فاشتغل بإلقاء الدروس في المسجد الحسيني
إلى أن أُعيد مرة أخرى ليتولى منصب الإفتاء سنة (1371هـ = 1952م) واستمر فيه
عامين.
وفي
أثناء توليه منصب الإفتاء اختير لعضوية هيئة كبار العلماء سنة
(1367هـ
= 1948م) وبعد تركه منصب الإفتاء أصبح رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر الشريف
لفترة طويلة، وكان عضوًا مؤسسًا لرابطة العالم الإسلامي بالمملكة العربية
السعودية، وشارك في تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، واختير
في مجلس القضاء الأعلى بالسعودية.
فتاوى
الشيخ
كان
الشيخ حسنين مخلوف مقصد الفتوى في مصر، والملجأ الصادق حين تدلهم بالناس المشكلات، فيجليها لهم في براعة وإخلاص، ملتزمًا
بالشريعة الإسلامية لا يهاب أحدًا، ولا يخشى في
الحق لومة لائم، وكانت أولى فتاواه وهو لا يزال
طالبًا في مدرسة القضاء الشرعي حين دفع إليه أبوه برسالة وصلت إليه، يطلب مرسلها حكم الإسلام في الرفق بالحيوان، وطلب
منه أن يكتب الرد بعد الرجوع إلى
المصادر الشرعية، فعكف الطالب النابه أسبوعين حتى أخرج رسالة مستوفاة،
سُرّ بها الوالد، وبادر إلى طباعتها من فرط سعادته بابنه النابغ، وكان هذا
التوفيق في الفتوى إرهاصًا لما سيكون عليه في مقبل الأيام من كونه
مفتيًا فذًا وعالمًا كبيرًا.
وخاض
الشيخ حربًا شعواء في فتاواه ضد الإلحاد والشيوعية قبل ثورة
1952م،
وكان بمصر بعض المخدوعين الذين يظنون خيرًا في الشيوعية ويعدونها جنة للفقراء ومفتاحًا للرخاء، فلما صدع بالحق وأعلن أن
الشيوعية بعيدة كل البعد عن الإسلام،
اتهمه هؤلاء بشتى التهم الباطلة. وبعد الثورة طُلب منه أن يعلن أن
الإسلام اشتراكي، وأن الاشتراكية نابعة من صميم الإسلام، لكن الشيخ أبى، وأصر على أن الإسلام لا يعرف الاشتراكية
بمعناها في الغرب، لكنه يعرف العدل
والمساواة والتكافل بالمعنى الذي ورد في آيات الكتاب العزيز.
وجرّت
عليه فتاواه الشرعية خصومة المعارضين له، وكانوا من ذوي الجاه والسلطان، فحاربوا الشيخ الجليل، وضيقوا عليه، وامتنعت
الصحف عن نشر ما يكتبه صادعًا
بالحق كاشفًا الزيف، ولم يكن له متنفس سوى مجلة الأزهر يجهر فيها بما يراه الحق الصحيح، حتى هاجر إلى السعودية، فوجد
فيها ملاذًا آمنًا.
مؤلفاته
شغلت
الشيخ أعماله في القضاء والدرس عن التأليف والتصنيف، واستهلكت فتاواه حياته، وهي ثروة فقهية ضخمة أحلته مكانة فقهية
رفيعة، وقد جُمعت فتاواه التي
أصدرها في أثناء توليه منصب الإفتاء، وما نشر في الصحف السيارة في مجلدين
كبيرين.
غير
أن للشيخ كتبًا وهي على وجازتها نافعة جدًا، لأنه وضعها حلاً لقضية أو بيانًا لمشكلة اجتماعية، فهي كتب عملية تأخذ بيد
الناس وتبين لهم مبادئ دينهم في
سماحة ويسر.
فحين
رأى كثرة السائلين في أثناء دروسه عن بعض معاني الآيات القرآنية، وجد من اللازم أن يخص كتاب الله عز وجل بمؤلفين، أحدهما
يختص ببيان معاني الكلمات القرآنية،
وأطلق عليه "كلمات القرآن تفسير وبيان" وقد رزق الكتاب حظوة بالغة وتعددت طباعته، أما الآخر فهو أكثر اتساعًا
وبيانًا لمعاني القرآن، وسمّاه "صفوة
البيان لمعاني القرآن".
ولما
رأى احتفاء الناس بذكرى الأربعين لوفاة الميت، كتب رسالة أوضح فيها أن هذا العمل بدعة مذمومة، لا أصل لها في الدين، وقد
نُشرت هذه الرسالة بعنوان: "حكم الشريعة في
مأتم ليلة الأربعين" تضمن ما يجب عمله شرعًا من أجل
الموتى.
وهكذا
جاءت معظم مؤلفاته التي وضعها خدمة للدين، وتبصيرًا للناس به، وإحياء للسنة،
ومحاربة للبدع التي انتشرت في أوساط المسلمين.
ويحسن
أن تستعرض أسماء بعض هذه المؤلفات، فمنها:
أسماء
الله الحسنى والآيات القرآنية الواردة فيها.
أضواء
من القرآن الكريم في فضل الطاعات وثمراتها وخطر المعاصي وعقوباتها.
آداب
تلاوة القرآن وسماعه.
المواريث
في الشريعة الإسلامية.
شرح
البيقونية في مصطلح الحديث.
وللشيخ
جهود في تحقيق بعض الكتب، مثل:
الحديقة
الأنيقة في شرح العروة الوثقى في علم الشريعة والطريقة والحقيقة لمحمد بن عمر
الحريري.
شرح
الشفا في شمائل صاحب الاصطفا للملا علي القاري.
هداية
الراغب بشرح عمدة الطالب لعثمان بن أحمد النجدي.
تكريم
الشيخ
كان
الشيخ محل تقدير واحترام لسعة علمه وشدته في الحق، وعلى الرغم مما ألمّ به في مصر من بعض التضييق، فإن الدولة قبل الثورة
وبعدها نظرت إليه بعين التقدير
لجلائل أعماله في الدعوة والقضاء والإفتاء، فمُنح كسوة التشريفة العلمية
مرتين: الأولى وهو رئيس لمحكمة طنطا، والأخرى وهو في منصب الإفتاء، كما
نال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (1402هـ = 1982م)،
ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وامتد تكريمه إلى خارج البلاد،
فنال جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام سنة (143هـ = 1983م).
وفاة
الشيخ
طالت
الحياة بالشيخ حتى تجاوز المائة عام، قضاها في خدمة دينه داخل مصر وخارجها، حيث امتدت رحلاته إلى كثير من البلاد
العربية ليؤدي رسالة العلم، ويلقي
دروسه، أو يفتي في مسائل دقيقة تُعرض عليه، أو يناقش بعض الأطروحات العلمية
في الجامعات، وظل على هذا النحو حتى لقي ربه في (19 من رمضان 1410هـ = 15
من إبريل 1990م
|
الأمام الأكبر الدكتور محمد عبد
الحليم محمود
نحتفل
هذه الايام بذكري عالم اسلامي جليل , حباه الله نعمة العلم والتصوف وهو شيخنا
الجليل الدكتور محمد عبد الحليم محمود , ابن محافظة الشرقية الذي
استطاع بعلمه وتدينه وفكره وتواضعه وبسعيه وتصوفه أن يصل الي موقع شيخ الجامع الازهر حيث حقق للازهر توسعا ضخما وجعله
منارة للدين داخل مصر وخارجها
.
تسلم
شيخنا مسئولية الامام الاكبر فوجد أن المعاهد الازهرية في مصر خمسة معاهد فقال كيف يحقق هذا العدد الانطلاق الذي ننشدة
للاسلام , فقرر أن يتوسع في انشاء
المعاهد لتنشر في كل المحافظات تقريبا واستجاب له رئيس الجمهورية ودعم
مطالب شيخنا الذي ارتقي بنوعية الدراسة في هذه المعاهد أيضا وجعلها تحقق
للطالب فقها في كل علوم الدين . وكان عالمنا الجليل الشيخ عبد الحليم
محمود عابدا ناسكا متصلا بالله رافعا لواء الدعوة . لذا كان محترما من كل
قيادات الفكر والاسلام في كل العالم وعندما قام بزيارة الي دولة باكستان
قرر رئيس الجمهورية في ذلك الوقت ان يستقبله علي سلم الطائرة وعندما
قال له المسئولون إن النظام أو البروتوكول الدبلوماسي يجدد ان يستقبله وزير
من الوزراء رئيس الوزراء علي الاكثر وأن رئيس الجمهورية لايستقبل إلارؤساء
الدول سواء كان ملكا او
رئيسا
للجمهورية مثله فأجاب رئيس جمهورية باكستان في ذلك الوقت ان الملوك والرؤساء كثيرون يملأون العالم كله , اما الازهر
الشريف فانه ازهر واحد وشيخه الجليل
هو شيخ واحد وهو عندي في مكانة أفضل .
وشيخنا
الامام الاكبر عبد الحليم محمود نعتبره علي حد قول رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن كل مائة عام يبعث الله واحدا يجدد
شباب الاسلام لذا فنحن نراه من
الذين جددوا شباب الاسلام في هذا العهد ويدين له كل خريجي المعاهد
الازهرية التي افتتحت في عهده وبعد عهده بالفضل . ونحن ايضا نري في اسلوب أثناء توليه منصبه مشيخة الازهر اسلوبا
متميزا حيث لم يكن له اهتمامات سياسية
ولم يدخل في متاهات العمل السياسي ولكن كان يعرف أن دوره هو الدعوة للاسلام
وحمايته والحفاظ عليه والتوسع في انشاء معاهده وتدعيم حفظة القرآن
الكريم والتشجيع علي حفظه ورصد كل الامكانيات لهذه الدعوة وكان الذين
يختلفون معه في العقيدة يحترمونه ويجلونه لسمو الرجل في اخلاقه وارتفاع منزلته .
وشيخنا
الجليل له مسجد باسمه في قريته وله تلاميذه الذين مازالوا يحملون الراية
التي كان يحملها وهي راية الدعوة الي الاسلام والتمسك بمنابعه الاساسية
وكان يختتم اغلب خطبه بدعوة المستمعين اليه لكي يرجعوا الي الله ويتوبوا
اليه وان يعاهدوه علي ألا يعودوا لمعصية أبدا فردد هذا الدعاء كل من حوله
لانهم عرفوا فيه القدوة والصلاح والاخلاص في حب الله ورسوله عليه
الصلاة والسلام رحم الله شيخنا الجليل الذي لن ننساه ونفعنا الله بعلمه وبركته وهدانا الي الصراط المستقيم الذي كان
محافظا عليه حتي توفاه الله
|
الشيخ جاد الحق على جاد الحق.. الإمام
الأكبر
وُلِد
الشيخ جاد الحق بقرية "بطرة" التابعة لمركز "طلخا" بمحافظة
"الدقهلية"
الخميس الموافق (13 جمادى الآخرة سنة 1335 هـ = 5 من إبريل 1917م)، وتلقى تعليمه
الأوْلِي في قريته، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة،
ثم الْتحق بالمعهد الأحمدي بطنطا، وأنهى المرحلة الابتدائية به،
وانتقل إلى المرحلة الثانوية، واستكملها في القاهرة في معهدها الديني
بالدَرَّاسَة، وبعد اجتيازه لها التحق بكلية الشريعة، وتخرَّج فيها سنة (1363هـ
= 1944م)، حاصلاً على الشهادة العالمية، ثم نالَ تخصص القضاء بعد
عامين من الدراسة، وكان الأزهر يعطي لمن يحصل على العالمية في
الشريعة أن يتخصص في القضاء لمدة عامين، ويمنح الطالب بعدها شهادة العالمية مع إجازة القضاء.
بعد
التخرج
عمل
جاد الحق بعد التخرج في المحاكم الشرعية في سنة (1366هـ = 1946م)، ثم عُيِّن أمينًا للفتوى بدار الإفتاء المصرية في سنة (1373هـ
= 1953م)، ثم عاد إلى
المحاكم الشرعية قاضيًا في سنة (1374هـ = 1954م)، ثم انتقل إلى المحاكم المدنية سنة (1376هـ = 1956م) بعد إلغاء القضاء
الشرعي، وظلَّ يعمل بالقضاء،
ويترقى في مناصبه حتى عُين مستشارًا بمحاكم الاستئناف في سنة (1396هـ = 1976م).
وقد
حفظت سجلات المحاكم التي عمل بها أحكامه القضائية في أثناء عمله بها أحكامه القضائية في أثناء عمله بالقضاء، وتشتمل على
بحوث وتعليلات واجتهادات في
التطبيق، وقد نشرت المجلات القانونية في مصر بعضًا من تلك الأحكام، وفي كثير
منها أحكام لما استجد من مستحدثات لم يعالجها الحكم الفقهي من قبل.
جاد
الحق مفتيًا
عُيِّن
الشيخ جاد الحق مفتيًا للديار المصرية في (رمضان 1398هـ = أغسطس 1978م) فعمل
على تنشيط الدار، والمحافظة على تراثها الفقهي، فعمل على اختيار
الفتاوى ذات المبادئ الفقهية، وجمعها من سجلات دار الإفتاء المصرية، ونشرها
في مجلدات بلغت عشرين مجلدًا، وهي ثروة فقهية ثمينة؛ لأنها تمثل
القضايا المعاصرة التي تشغل بال الأمة في فترة معينة من تاريخها، وفي
الوقت نفسه تستند إلى المصادر والأصول التي تستمد منها الأحكام الشرعية.
وتشمل
اختيارات الفتاوى ما صدر عن دار الإفتاء في الفترة من سنة (1313هـ = 1895م) حتى
سنة (1403 هـ = 1982م)، وضمت المجلدات الثامن والتاسع والعاشر
من سلسلة الفتاوى اختيارات من أحكامه وفتاواه، وتبلغ نحو 1328 فتوى في الفترة
التي قضاها مفتيًا للديار المصرية.
توليه
مشيخة الأزهر
عُيّن
وزيرًا للأوقاف في (ربيع الأول 1402هـ = يناير 1982م)، وظلَّ به شهورًا قليلة، اختير بعدها شيخًا للجامع الأزهر في (13 من
جمادى الأولى 1402هـ
= 17 من مارس 1982م)، وبدأت فترة زاهية من فترات تاريخ الأزهر؛ سواء فيما يتصل بمؤسسة الأزهر، أو بدورها باعتبارها
القائمة على الفكرة الإسلامي والتعليم
الديني في مصر، ومحط أنظار الناس، ومعقد أمانيهم.
وكان
لاشتغال الشيخ جاد الحق بالقضاء منذ وقت مبكر أثره البالغ في قيادته الأزهر، فهو فقيه قاضٍ يعتمد على الدراسة المتأنية
والنظر العميق، والبُعْد عن
الهوى، ومن ثَم كانت قراراته صائبة، هادئة، بعيدة عن العاطفة المشبوهة والانفعال المؤقت، وتهدف إلى الصالح العالم.
مواقف
الشيخ
عُرف
الشيخ في الفترة التي تولَّى فيها مشيخة الأزهر بمواقفه الجريئة، والصدع بما يعتقد أنه الحق والصواب، وإن خالف هوى الناس
وأغضب السلطان، فقد أعلن بعد
توليه المشيخة تأييد الأزهر للجهاد الأفغاني ضد المحتل الروسي، وعدَّ ما
يحدث في البوسنة والهرسك حربًا صليبية جديدة تهدف إلى إبادة المسلمين،
ودعا إلى الوقوف إلى جانب المسلمين والدفاع عن قضيتهم، وكان له مثل هذا
الموقف مع المسلمين الشيشان في جهادهم للروس، ومع الانتفاضة
الفلسطينية.
ويُذكر
له موقفه الواضح من التطبيع مع إسرائيل، حتى إن كانت هناك اتفاقية سلام بين
مصر وإسرائيل، واشتدَّ في معارضته للتطبيع، في الوقت التي نشطت فيها
حركات التطبيع في بعض مؤسسات الدولة، فأفتى بعدم جواز زيارة القدس إلا
بعد تحريرها، ورفض استقبال أي وفد إسرائيلي يرغب في زيارة الأزهر، وإنْ
سبَّب ذلك حرجًا للمسؤولين.
مؤتمرا
المرأة والسكان
وكان
للشيخ رأي واضح في مقررات مؤتمر السكان الذي تم عقده في القاهرة في (ربيع الآخر 1415هـ = سبتمبر 1994م)، فعارض دعوات
الانحلال الأُسري والشذوذ، والخروج
على الفطرة السليمة، وتعاون معه –في رد تلك الدعاوى- نفر من المخلصين، وكان
لحضورهم هذا المؤتمر ودحضهم تلك الدعاوى أثره في إحباط ما كان يخطِّط له
القائمون على المؤتمر، وتكرَّر منه هذا الموقف الواضح في رفضه لوثيقة مؤتمر
المرأة الذي تم عقده في بكين في (جمادى الأولى 1416هـ = سبتمبر 1995م).
موقف
من التطرف
هال
الإمام جاد الحق أن يتخذ نفر من الكُتّاب من تطرف بعض الشباب ذريعة للهجوم على الإسلام ومبادئه دون وازع من ضمير أو
تسلح بثقافة وعلم، فانطلق قلمه يصدع
بالحق ويفضح سموم بعض الكتبة بقوله: "وقد أفزعت الحرية من مفهومها الصحيح، حتى صارت الدعوة إلى الفساد حرية،
وصار الطعن في الإسلام وصلاحيته
حرية، ثم صارت المسارعة إلى توزيع الاتهامات على الناس أسبق من نتائج
التحقيق التي تقوم بها الجماعة المختصة".
وحين
أعلنت بعض الصحف عن مسابقة لاختيار ملكة النيل، فزع من تطرف بعض المترفين وانسياقهم وراء الهوى والضلال، وكتب مقالة في
غاية القوة والبيان بعنوان "أوقفوا
هذا العبث باسم وفاء النيل"، وعدَّ هذا التصرف الطائش عودة إلى سوق النحاسة والرقيق الأبيض، وردَّة إلى الجاهلية
العمياء، لا يُفرَّق فيها بين الحلال
والحرام.
جهود
الشيخ في مؤسسة الأزهر
يُذكر
للشيخ جهوده في نشر التعليم الأزهري والتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية في أنحاء مصر، وكانت سمعة الشيخ وثقة الناس فيه
تجعل الناس يتسابقون في التبرع لإنشاء المعاهد
الدينية، وتقديمها للأزهر للإشراف عليها، وبلغت
المعاهد الأزهرية في عهده خمسة آلاف معهد، وأنشأ فروعًا للجامعة الأزهرية
في بعض محافظات مصر ومدنها الكبيرة.
ولحرصه
على أن يجد الناس مبتغاهم فيما يتعلق بأمور دينهم فقد دعَّم عمل لجنة الفتوى الرئيسية بالجامع الأزهر بإنشاء فروعًا
لها في كل منطقة أزهرية في كل
محافظات الجمهورية، فبلغت خمسًا وعشرين لجنة، وانتقى لها أفضل العناصر من
العلماء، الذين يجيدون الفتوى، وأمدها بالكتب التي تحتاجها في أداء
عملها.
مؤلفات
الشيخ
للشيخ
جاد الحق مؤلفات عديدة منها: "الفقه الإسلامي مرونته وتطوره"، و"بحوث فتاوى إسلامية في قضايا معاصرة"، وصدر
من الكتاب أربعة أجزاء، وهي تضم الفتاوى
والبحوث التي أصدرها الشيخ منذ ولايته المشيخة، وله "رسالة في الاجتهاد وشروطه"، وأخرى بعنوان "رسالة في
القضاء في الإسلام".
ويبرز
في كتبه منهجه في التفكير الفقهي؛ حيث يبدأ القضية بالتعريف اللغوي لها، ثم يتبعها بالتعريف الشرعي، ويتلو ذلك بيان
الحكم وفق المذاهب الأربعة وغيرها،
ثم يقوم بالترجيح بين آراء العلماء لاختيار الرأي الذي يرتضيه، ويكون
محققًا للمصلحة التي يبتغيها الشارع الحكيم.
مكانة
الشيخ
كان
الشيخ جاد الحق قدم راسخة في العلم، وعقل راجح، ورأي صائب، وقدرة على الاستفادة من أهل العلم، فاستخلص منهم طائفة استخدمهم
في الدفاع عن الإسلام، وجلاء
قضاياه، والرد على ما يقوله المغرضون، فقَوِيَ بهم الأزهر، واشتد ساعده.
وعرف
العالم الإسلامي مكانة الشيخ وفضله فمنحه أرفع الجوائز والأوسمة، فمنحته مصر "وشاح النيل"، أعلى وشاح تمنحه
الدولة في (سنة 1403هـ = 1983م) بمناسبة العيد الألفي للأزهر، ومنحه
المغرب وسام "الكفاءة الفكرية والعلوم" من
الدرجة الممتازة، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام سنة (1416هـ = 1995م).
وفاة
الشيخ
وبعد
حياة طويلة مليئة بجلائل الأعمال، تُوفِّي الإمام الأكبر "جاد الحق على جاد الحق" إثر نوبة قلبية ألمَّت به الجمعة
الموافق (25 من شوال 1416هـ = 15 من مارس 1996م) عن عمر يناهز
التاسعة والسبعين
|